ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
242
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
فقد نصحت لك ولا تفسد عليّ وردي ، فإني رجل ظنين بنفسي ، والحمد للّه رب العالمين . قوله عليه السّلام ظنين بنفسي : أي شحيح بنفسي أن أدع أوقاتي تمضي بلا فائدة أخروية مع أنه عليه السّلام معصوم وقد أتعب نفسه وأجهدها بالعبادات الشاقة ، وكذلك باقي الأئمة عليهما السّلام لكل مؤمن الاقتداء بأفعالهم والاهتداء بأنوارهم وأقوالهم ، حتى تنقمع نفوسنا الأمارة وترتدع عن محبة الدنيا الغرارة ، وينبغي لك أن تعرف نفسك قبل حلول رمسك كما قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من عرف نفسه فقد عرف ربّه . واعلم أن النفس الإنسانية على ثلاثة أقسام ، وهي ذات قوة وإدراك ، فقد تتشبه بالملائكة كما إذا سمت « 1 » لتحصل الكمالات النفسانية والمعارف الإلهية والأخلاق الدينية ، وهي الخير المحض ، وقد تتشبه بالشياطين والأبالسة كما إذا سمت لطلب السطوة والبأس والبطش والقهر والعدوان على الغير وهي الشر المحض ، وقد تتشبه بالبهائم كما إذا كان همها ما تناله من المطعم والمنكح والملبس ، وهذه أيضا من رذائل النفوس ، لكنها أخف من الثانية لاختصاص ضررها بها ، فهذا البدن كالسقط والوعاء لهذه النفوس الثلاثة ، فمن وجد من نفسه أو استشعر خصلة من خصال النفس الأولى فليحمد اللّه ( سبحانه ) على ذلك وليبالغ في تقويتها ليكون سببا لحصول باقي الكمالات أو أكثرها ، ولا يغفل عن ذلك فيتسلط عليها خصلة من خصال النفس الشيطانية ، فربما ذهبت بالكلية فتصير في عداد الشياطين وتخلد في العذاب المهين ، نعوذ باللّه منه . ومن وجد من نفسه خصلة أو خصالا من النفس الثانية أو الثالثة فليبتهل إلى اللّه ( تعالى ) في الخلاص منها ويجتهد في الاتصاف بضدها ويجاهد نفسه التي هي أقرب الأعداء إليه ليعود الإقبال على الخير طبيعة لها ، ولهذا قال علي عليه السّلام : إن تكن حليما فتحلّم ، وهذا الجهاد - أعني جهاد النفس - من أفضل الأعمال ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقد رجع من بعض غزواته : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » وعنى به جهاد النفس فإن وصل الإنسان إلى مراده بهذا السعي فقد تمت له السعادة ، وإن مات قبل ذلك وهو في هذا الجهاد فقد ختم لها بالشهادة وحسن المعاد ، وقد ضربوا للإنسان بسيره مع عقله وهواه وحرصه مثالا كراكب فرس معه كلب ، فإن تأمر الكلب وكان هو المتقدم والمتبوع رمى بهم على كل جيفة وأخذوا عن الدرب يمينا وشمالا ، وما أقربهم مع ذلك من الضلال والهلاك ،
--> ( 1 ) - خ ل : سمعت وفي نسخة : همّت .